الشنقيطي
45
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
التهمة بأن يضمن بشيء مما أرسل به مع نفاسته وعلو منزلته وجليل علومه ، وأنه كلام رب العالمين . وفي الختام إفهامهم : بأنه ليس بقول شيطان رجيم ، حيث تقدم إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [ الشعراء : 212 ] . وأن من يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ، فلم يبق لهم موجب للانصراف عنه ، وألزموا بالأخذ به حيث أصبح من الثابت أنه كلام اللّه ، جاء به رسول كريم ، وبلغه لصاحبكم صاحب الخلق العظيم ، وليس بقول شيطان رجيم . فلزمهم الأخذ به ، وإلّا فأين تذهبون . أين تسيرون عنه ، بعد أن ثبت لكم سنده ومصدره ؟ ونظير هذا السند في تمجيد القرآن وإثبات إتيانه من اللّه ، قوله تعالى في أول سورة النجم : ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى ( 2 ) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ( 4 ) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ( 5 ) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى ( 6 ) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى [ النجم : 2 - 7 ] . وقوله تعالى : فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ [ التكوير : 26 ] ، بمثابة من يسد عليهم الطريق إلا له لأنه - أي القرآن - ليس في نزوله من اللّه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي شبهة ولا تهمة ، فليس للعاقل أن يحيد عنه ، وكل ذهاب إلى غيره فطرق مسدود ، وضلال وهلاك . قوله تعالى : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [ 28 ] . أي بعد هذا البيان وقوة هذا السند ، وإظهار ثبوت الرسالة ، فقد أعذر من أنذر ، لمن شاء منكم أن يستقيم . قوله تعالى : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 29 ) [ 29 ] . فيه قضية القدر والإرادة الكونية والقدرية . وقد بحثها الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه في عدة مواطن . منها في سورة الزخرف عند قوله تعالى : لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ [ الزخرف : 2 ] ، وفيها مناظرة المعتزلي مع السني .